الشيخ السبحاني

118

المذاهب الإسلامية

حتّى في نفس كلِّ واحدة منهما وحدة في التّفكير ، فصاروا فرقاً تنوف على العشرين ، وعند ذلك بلغوا إلى درجة من الضّعف والانحلال ، وإن كان ينجم بينهم رجال مفكّرون كأبي عليّ الجبّائي ( المتوفّى 303 ه ) وولده أبي هاشم ( المتوفّى 321 ه ) . وجاءت الضّربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي وتلميذه ، ورجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث ، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً ونادى بأعلى صوته : « من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأنّ اللَّه لا تراه الأبصار ، وأنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع ، معتقد للردّ على المعتزلة ، مخرج لفضائحهم ومعايبهم » « 1 » . فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النّفوس ، وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة ، بين بالغ إلى ساحل النّجاة وهالك في أمواج الدّهر . هذا هو القادر باللَّه أحد خلفاء العبّاسيين قام في سنة ( 408 ه ) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق . يقول الحافظ ابن كثير : وفي سنة ( 408 ه ) ، استتاب القادر باللَّه الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرّجوع وتبرّأوا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام ، وأخذت خطوطهم بذلك وأنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم ،

--> ( 1 ) . فهرست ابن النديم : 231 ، الفن الثالث من المقالة الخامسة ؛ وفيات الأعيان : 3 / 275 .